الخَالِق

البَـارئ

المُصَوِّر

قد يُظَنُ أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى التقدير أولاً، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً، واللّه تعالى: خالق من حيث إنه مُقَدِّر.. وبارئ من حيث إنه مُختَرعٌ موجِدٌ.. ومُصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب، وهذا كالبناء مثلآ فإنه يحتاج إلى مُقدِّر يُقَدِّرُ ما لا بُدّ منه من الخشب واللَّبِن ومساحة الأرض، وعدد الأبنية وطولها وعرضها، وهذا يتولاه المهندس فيرسُمُه ويصوِّرُه، ثم يحتاج إلى بنَّاء يتولى الأعمال التي عندها يحدث حصول الأبنية، ثم يحتاج إلى مُزَيِّن ينقُش ظاهره، ويزين صورته.. ويتولاه غير البَنَّاء، هذه هي العادات في التقدير والبناء والتصوير، وليس كذلك في أفعال اللّه تعالى، بل هو المقدِّر والمُوجِد والمُزيِّنُ، فهو الخالق البارئ المصوِّر، فأما اسم المصور، فهو له من حيث رتّب صور الأشياء أحسن ترتيب، وصوّرها أحسن تصوير، وهذا من أوصاف الفعل، فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صورة العالم على الجملة ثم على التفصيل، فإن العالم كله في حكم شخص واحد مركب من أعضاء متعاونة على غرض مطلوب منه، وإنما أعضاؤه وأجزاؤه: السماوات، والكواكب، والأرض، وما بينهما من الماء والهواء وغيرهما، وقد رتبت أجزاؤه ترتيباً محكماً، لو غُيِّر ذلك الترتيب لبطل النظام، فمخصوص بجهة الفوق وما ينبغي أن يعلو، وبجهة السفل وما ينبغي أن يسفل. حظ العبد من هذا الاسم أن يحصل في نفسه صورةُ الوجود كله على هيئاته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم كله كأنه ينظر إليها، ثم ينظر من الكل إلى التفصيل فيشرف على صورة الإنسان من حيث بدنه وأعضاؤه الجسمانية، فيعلم أنواعها وعددها وتركيبها والحكمة في خلقها وترتيبها، ثم يشرف على صفاته المعنوية ومعانيه الشريفة التي بها إدراكاته وإرادته، وكذلك يعرف صورة الحيوانات، وصورة النبات ظاهراً وباطناً بقدر ما في وسعه حتى يحصل نفس الجميع وصورته في قلبه، فهذا حظ العبد من هذا الاسم،وهو اكتساب الصورة العلمية المطابقة للصورة الوجودية، فإن العلم صورة النفس مطابقة لصورة المعلوم، وعلم اللّه بالصور سبب لوجودها في الأعيان، والصور موجودة في الأعيان سبب لحصول الصور العلمية في قلب الإنسان، وبذلك يستفيد العبد العلم بمعنى الاسم المصور من أسماء اللّه تعالى، ويصير أيضاً باكتساب الصور في نفسه كأنه مُصوِّر، وإن كان ذلك على سبيل المجاز فإن تلك الصورة إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق اللّه تعالى واختراعه، فإن اللّه تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولذلك قال عليه السلام: »إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبداً«. وأما الخالق والبارئ، فلا مدخل للعبد أيضاً في هذين الأسمين إلا بنوع من المجاز بعيد، ووجهه أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق اللّه تعالى للعبد علماً وقدرة، وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه، والأمور  الموجودة  تنقسم إلى ما لا يرتبط حصولها بقدرة العباد أصلاً: كالسماء، والكواكب، والأرض، والحيوان، والنبات، وغيرها، وإلى ما لا يرتبط حصولها إلا بقدرة العباد، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد: كالصناعات، والسياسات، والعبادات، والمجاهدات، فإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه بطريق الرياضة وفي سياستها وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يُسبق إليها، ويقدر مع ذلك على فعلها والترغيب فيها ، كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل، إذ يقال لواضع الشطرنج إنه الذي وضعه واخترعه، حيث وضع ما لم يُسبق إليه. إلا أن وضع ما لا خير فيه لا يكون من صفات المدح، وكذلك في الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات، التي هي منبع الخيرات ـ صور وترتيبات يتعلمها الناس بعضهم من بعض، وترتقي لا محالة إلى أول مستنبط وواضع. فكان ذلك الواضع كالمخترع لتلك الصور والخالق المقدر لها، حتى يجوز إطلاق الاسم عليه مجازاً، ومن أسماء اللّه ما يكون نقلها إلى العبد مجازاً، وهو الأكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقة، وفي حق اللّه تعالى مجازاً: كالصبور، والشكور. ولا ينبغي أن تلاحظ المشاركة في الاسم وتذهل عن هذا التفاوت الذي ذكرناه.