الحَسـِيب

هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، واللّه تعالى حسيب كل أحد وكافيه. وهذا وصف لا يتصور حقيقته لغيره، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفي لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده. وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا اللّه تعالى، فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء.. أي هو وحده كاف يتحصل به وجود الأشياء، ويدوم به وجودها، ويكمل به وجودها. ولا تظنن أنك اذا احتجت إلى طعام وشراب وأرض وسماء وشمس وغير ذلك فقد احتجت إلى غيره ولم يكن هو حسبك، فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب والأرض والسماء.. فهو حسبك. ولا تظنن أن الطفل الذي يحتاج الى أمه ترضعه وتتعهده فليس اللّه حسيبَه وكافيَه، بل اللّه كفاه إذ خلقَ أمه، وخلق اللبنَ في ثديها، وخلق له الهداية إلى الْتِقامه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكنته من الالتقام ودعته إليه وحملته عليه. فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، واللّه وحده هو المنفرد بخلقها لأجله. ولو قيل لك: إن الأم وحدها كافية للطفل وهي حسبه ، لصدقت به ولم تقل: إنها لا تكفيه؛ لأنه يحتاج إلى اللبن، فمن أين تكفيه الأم إذا لم يكن لبن؟ ولكنك تقول: نعم يحتاجإلى اللبن، ولكن اللبن أيضاً من الأم فليس محتاجاً إلى غير الأم، فاعلم أن اللبن ليس من الأم، بل هو والأم من اللّه ومن فَضلِهِ وجوده، فهو وحده حسبُ كلِّ أحدٍ، وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة اللّه تعالى.

نِعمَ الحظُ الذي منه العبد أن يكون اللّه وحده حَسبه بالإضافة إلى همَّته وإرادته وهو أنه لا يريد إلا اللّه ولا يريد الجنة ولا يشغل قلبه بالنار ليحذر منها، بل يكون مستغرقَ الهم باللّه وحده. وإذا كاشفه بجلاله قال: ذلك حسبي فلست أريد غيره ولا أبالي إن فاتني غيره أو لم يَفُت.