الحَـكِـيـم

ذو الحكمة.. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وأجَلُّ الأشياء هو اللّه تعالى. وقد سبق أنه لا يعرفه كُنهَ مَعرفَتِهِ غيرُه. فهو الحكيم المطلق ؛ لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذ أجَلُّ العلوم هو العلم الأزلِيُّ الدائِمُ الذي لا يُتصَوَّرُ زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا يَتَطرَّق إليها خفاء وشُبهة، ولا يتصف بذلك إلا علم اللّه تعالى. وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها: حكيم. وكمال ذلك أيضاً ليس إلا اللّه تعالى.. فهو الحكيم الحق.

من عرف جميع الأشياء، ولم يعرف اللّه تعالى، لم يستحق أن يسمى حكيماً؛ لأنه لم يعرف أجلّ الأشياء وأفضلها. والحكمة أجلّ العلوم، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم، ولا أجلّ من اللّه، ومن عرف اللّه فهو حكيم، وإن كان ضعيف الفطنة في سائر العلوم الرسمية، كليلَ اللسان، قاصر البيان فيها. إلا أن نسبة حكمة العبد إلى حكمة اللّه تعالى كنسبة معرفته به إلى معرفة اللّه بذاته، وشتَّان بين المعرفتين، فشتَّان بين الحكمتين. ولكنه من بعده عنه، فهو أنفس المعارف، وأكثرها خيراً. ومن أوُتِيَ الحكمة، فقد أوُتِيَ خيراً كثيراً. نعم من عرف اللّه كان كلامه مخالفاً لكلام غيره، فإنه قلما يتعرض للجزئيات، بل يكون كلامه كلياً. ولا يتعرض لمصالح العاجلة، بل يتعرض لما ينفع في العاقبة. ولمَّا كان ذلك أظهر عند الناس من أحوال الحكيم، ربما أطلق الناس اسم الحكمة على مثل الكلمات الكلية، ويقال للناطق بها: حكيم، وذلك مثل قول سيد الأنبياء صلوات اللّه عليهم: «رأس الحكمة مخافةُ اللّه».