
الحَـكَمُ
هو الحاكم المُحكم، والقاضي المسلم، الذي لا رادَّ لحكمه ولا مُعَقِّب لقضائه،
ومن حُكْمه في حق العباد: «وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إلاَّ مَاَ سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى» (النجم آيات 39 ـ 40) «إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نعِيم وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيم» (الانفطار آيات 13 ـ 14). ومعنى حُكْمه للبَرِّ والفاجر بالسعادة والشقاوة أن يجعل البِرَّ والفُجور سبباً يسوق صاحبهما إلى السعادة والشقاوة، كما جعل الأدوية والسموم أسباباً تسوق متناوليها إلى الشفاء والهلاك، وإذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب وتوجيهها إلى المسببات كان حكماً مطلقاً؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحَكَمْ ينشعب القضاء والقدر: فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسببات ـ حكمُه ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول: كالأرض، والسماوات السبع، والكواكب، والأفلاك بحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تتقدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله ـ قضاؤه.. كما قال: «فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمگواتٍ فِي يَوْمَينِ وَأوْحَے فِي كُلِّ سَمَاءٍ أمْرَهَا» (فصِّلت آية 12). وتوجيه هذه الأسباب: تحريكاتها المتناسبة المحدودة المقدورة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة – قَدَرُهُ فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي هو كلمح البصر. والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المحدودة المعدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص؛ ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره.
ومثال تداعي حركات السماء إلى تغيرات الأرض: هو أن الشمس بحركاتها إذا بلغت إلى المشرق استضاء العالم وتيسر على الناس الإبصار، فيتيسر عليهم الانتشار في الأشغال، وإذا بلغت المغرب تعذر عليهم ذلك، فرجعوا إلى المساكن، وإذا قَرُبت من وسط السماء، وسمت رؤوس أهل الأقاليم، حمى الهواء، واشتد القيظ، وحصل نضج الفواكه، وإذا بعدت حصل الشتاء، واشتد البرد، وإذا توسطت حصل الاعتدال، وظهر الربيع، وأنبتت الأرض، وظهرت الخضرة، فَقِس بهذه المشهورات التي تعرفها الغرائب والتي لاتعرفها، واختلاف هذه الفصول كلها مقدر معلوم؛ لأنها منوطة بحركات الشمس والقمر، «الشَّمسُ وَالقَمَرُ بِحُسبَانٍ» (الرَّحمگـن آية 5) أي: حركاتهما بحسبان معلوم. فهذا هو التقدير، ووضع الأسباب الكلية هو القضاء، والتدبير الأول الذي هو كلمح البصر هو الحكم، واللّه تعالى حكمٌ عدلٌ باعتبار هذه الأمور قد فهمت من المثال المذكور ما إلى العبد من الحكمة والتدبير والقضاء والتقدير، وذلك أمر يسير، وإنما الخطير منهما إليه في تدبير الرياضات والمجاهدات وتقدير السياسات التي تُُفضي إلى مصالح الدين والدنيا. وبذلك استخلف اللّه تعالى عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون، وأما الحظ الديني من مشاهدة هذا الوصف للّه تعالى فجوابه قوله عليه الصلاة والسلام: «اعملوا فكلٌّ مُيسَّـرْ لما خُلِقَ له» ومعناه: أن من قُدِّرت له السعادة قدرت بسبب فتيسر له أسبابها، وهو الطاعة. ومن قدرت له الشقاوة قدرت بسبب، وهو بطالته عن مباشرة أسبابها، ومثاله: كالذي يتمنى أن يكون فقيهاً بالغاً درجة الإمامة فيقال له: اجتهد وتعلم وواظب.
فيقول: إن قضى اللّه تعالى لي في الأزل بالإمامة فلا احتياج الى الجهد، وإن قضى بالجهل فلا ينفعني الجهد. فيقال له: إن سلط عليك هذا الخاطر فهذا يدل على أنه قضي لك بالجهل، فإن من قضي له في الأزل بالإمامة فإنما يقضيها بأسبابها، فيجري عليه الأسباب، ويستعمله بها، ويدفع عنه الخواطر التي تدعوه إلى الكسل والبطالة. بل الذي لا يجتهد لا ينال درجة الإمامة قطعاً، والذي يجتهد ويتيسر له أسبابها ويصدق رجاؤه في بلوغها إن استقام على جهده إلى آخر أمره ولم يستقبله عائق يقطع عليه الطريق ـ نالها قطعاً.. فكذلك ينبغي أن يفهم أن السعادة لا ينالها إلا من أتى اللّه بقلب سليم، وسلامة القلب صفة تكتسب بالسعي كفقه النفس وفقه الإمامة من غير فرق.

