اللَّطيف

إنما يستحق هذا الاسم من يَعلَمُ دقائق المصالح وغوامضها، وما دَقَّ منها وما لَطَُف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفقَ دون العنفِ.
فإذا اجتمع الرفقُ في الفعل واللطفُ في العلم تم معنى اللطف. ولا يُتَصَوَّر كمال ذلكفي العلم والفعل إلا للّه تعالى، فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، بل الخفي مكشوف في علمه كالجَلِيِّ من غير فرق.

وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل أيضاً تحت الحصر، إذ لا يعرف اللطف في الفعل إلا من عرف تفاصيل أفعاله، وعرف دقائق الرفق فيها، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة بمعنى اسم اللطيف، وشرح ذلك يستدعي تطويلاً، ثم لا يتصور أن يفي بعُشر عُشره مجلدات كبيرة، وإنما يمكن التنبيه عل بعض جمله، فمن لطفه خلقه الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة. بل فلق البيضة عن الفرخ، وقد ألهمه التقاط الحب في الحال. ثم تأخير خلق السن عن أول الخِلقة إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغتذاء باللبن عن السن. ولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يَتَجَشَّمُها، وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يُحصىَ عددُهم: مِن مُصلِح الأرض، وزارعها، وساقيها، وحاصدها، ومُنَقِّيها، وطاحنها، وعاجنها، وخابزها، إلى غير ذلك ـ لكان لا يستوفي شرحه، وعلى الجملة: فهو من حيث دبَّر الأمور حكَم، ومن حيث رتبها مُصَوِّر، ومن حيث أوجدها جواد، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عَدل.. ومن حيث لم يترك فيها أيّ من دقائق وُجُوهِ الرِّفقِ إلا أوجدها لطيفٌ.. ولن يعرف حقيقة هذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال. ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلَّفَهُم دون الطاقة، ومن لُطفِهِ أنه يسر لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر، فإنه لا نسبة لها بالإضافة إلى الأبد، ومن لطفه إخراجُ اللبن الصافي من بين الفَرثِ والدم، وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار الصلبة، وإخراجُ العسل من النحل، والإبريسم من الدودِ، والدر من الصَّدَفِ. وأعجب من ذلك كله خلقه الإنسان من النطفة القذرة، وجعله مستودعاً لمعرفته، وحاملاً لأمانته، ومشاهداً لملكوت سماواته. وهذا أيضاً رفق لا يمكن إحصاؤه. حظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد اللّه تعالى، والتلطُّف بهم في الدعوة إلى الله والهداية إلى سعادة الآخرة من غير ازدراء وعنف، ومن غير خصام وتعصُّب. وأحسن وجوه اللطف فيه الجذب إلى قبول الحق بالشمائل والسيرة المرضية والأعمال الصالحة، فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المُزَيَّنة.