
القُدُّوس
هو المنزَّهُ عن كل وصف يدركه الحسّ، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وَهمٌ، أو يختلجُ به ضمير، أو يقضي به تفكير. بل أقول: القدوس هو المنزَّهُ عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق، لأنهم أولاً نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمالٌ ولكنه في حقهم مثل: عِلمِهم، وقُدرتِهِم، وسَمعِهِم، وبَصرهِم، وكلامهم، وإرادتهم، واختيارهم، ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، وقالوا: إن هذه أسماء الكمال، وإلى ما هو نقص في حقِّهم، مثل: جَهلهِم، وعجزِهم، وعَماهُم، وصمَمِهم، وخَرَسهم. فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ، ثم كان غايتهم في الثناء على اللّه تعالى ووصفه أن وصفوه بما هو أوصاف كمالهم من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وأن نفوا عنه أوصاف نقصهم، وهو منزّه عن أوصاف كمالهم، كما أنه منزّه عن أوصاف نقصهم، بل كل صفة تتصور للخلق فهو منزَّه مقدَّسٌ عنها وعما يُشبهها وُيماثلها. قدس العبد في أن ينزِّه إرادته وعلمه، أما علمه فينزِّهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل ما يشارك فيه البهائم من الإدراكات، بل يكون تردد نظره وتطوافُ علمه حول الأمور الأزلية المنزَّهَةِ عن أن تقرب فتدرك بالحس أو تبعُد فتغيب عن الحس، بل يصير متجرِّداً في نفسه عن المحسوسات والمتخيلات كلها، ويقتني من العلوم ما لو سُلبَ آلة حِسِّهِ وتخيله بقي ريان بالعلوم الشريفة الكلية الإلهية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة، وعلى الجملة فالإدراكات الحسية والخيالية تشارك البهائم فيها، فينبغي أن يترقى عنها إلى ما هو من خواص الإنسانية، والحظوظ البشرية الشهوانية تتزاحم البهائم أيضاً فيها، فينبغي أن يتنزه عنها، فجلالة المريد على قدر جلالة مراده، ومن هِمَّته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه، ومن لم يكن له همة سوى اللّه فدرجَتُهُ على قدر هِمَّته، ومن رقى علمُه عن درجة المحسوساتِ والمتخيلاتِ، أو قدَّس إرادته عن مقتضى الشهوات ، فقد نزل بحبوحة حظيرة القدس.

