الظَّاهِرُ

الباطنُ

هذان الوصفان أيضاً من المضافات، فإن الظاهر يكون ظاهراً لشيء وباطناً لشيء، ولا يكون من وجه واحد ظاهراً وباطناً، بل يكون ظاهراً من وجه واحد بالإضافة إلى إدراك، وباطناً من وجه آخر، فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات واللَّه تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال.

فإن قلت: أما كونه باطناً بالإضافة إلى إدراك الحواس فظاهر، وأما كونه ظاهراً للعقل فغامض، إذ الظاهر ما لا يُتمَارَى فيه، ولا يختلف الناس في إدراكه، وهذا مما قد وقع فيه الرَّيب الكثير للخلق، فكيف يكون ظاهراً؟

فاعلم: أنه خَفِي مع ظهوره لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وكل ما جاوز حدَّه انعكس لضده، ولعلك تتعجب من هذا الكلام، وتستبعده، ولا تفهمه إلا بمثال، فأقول لو نظرت إلى كلمة واحدة كتبها كاتب واحد لاستدللت بها على كون الكاتب عالماً قادراً سميعاً بصيراً، وكما شهدت هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب، فما من ذرة في السماوات والأرض: من فلك، وكوكب، وشمس، وقمر، وحيوان، ونبات، وصفة، وموصوف إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبِّر دبَّرها وقدَّرها وخصَّصها بخصوص صفاتها، بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه وجزء من أجزائه ظاهراً وباطناً، بل إلى صفة من صفاته، وحالة من حالاته التي تجري عليه قهراً بغير اختياره، إلا ورآها ناطقة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبِّرها، وكذلك كل ما يدركه بجميع حواسه في ذاته وخارجاً من ذاته، ولو كانت الأشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ولا يشهد بعضها لكان اليقين حاصلاً للجميع. ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور، ومثاله: أن أظهر الأشياء ما يدرك بالحواس، وأظهرها ما يدرك بحاسة البصر، فأظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس المشرق على الأجسام الذي به يظهر كل شيء، فما به يظهر كل شيء كيف لا يكون ظاهراً؟

فإن الشمس لما تُصُوِّر غيبتها بالليل، واحتجابُها بالأجسام المظلمة بالنهار، انقطع أثرها عن المتلونات، فأدرك التفرقة بين المتأثر المستضيء بها وبين المظلم المحجوب عنها، فعرف وجود النور بعدم النور، وإذا أضيفت حالة الوجود إلى حالة العدم، فأدركت التفرقة مع بقاء الألوان في الحالتين، ولو أطبق نور الشمس كل الأجسام الظاهرة لشخص من الأشخاص، ولم تغب الشمس حتى يدرك التفرقة، لتعذر عليه معرفة كون النور شيئاً مذكوراً موجوداً زائداً على الألوان، مع أنه أظهر الأشياء، بل هو الذي يظهر جميع الأشياء.

ولو تُصُوِّر للّه تعالى وتقدِّس عدمٌ أو غيبةٌ عن بعض الأمور لانهدمت السماواتُ والأرضُ، وكل ما انقطع نوره عنه، ولأدركت التفرقة بين الحالتين، وعلمت وجودها قطعاً.

ولكن لما كانت الأشياء كلها متفقة في الشهادة، والأحوال كلها مطردة على نسق واحد، كان ذلك سببا لخفائه، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم بشدة ظهوره، فهو الظاهر الذي لا أظهر منه، وهو الباطن الذي لا أبطن منه.