
العَدلُ
معناه: العادل.. وهو الذي يصدُرُ منه فعل العدل المضادِّ للجور والظلم، ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله، فمن أراد أن يفهم هذا الوصف فينبغي أن يحيط علماً بأفعال اللّه تعالى من أعلى ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى.. حتى إذا لم ير في خلق الرحمگن من تفاوت، ثم رجع البصر فما رأى من فطور، ثم رجع البصر مرة أخرى فانقلب البصر إليه خاسئاً وهو حسير، وقد بهره جمال الحضرة الربوبية، وحيرهُ اعتدالها وانتظامها ، فعند ذلك يعشق بفهمه شيئا من معاني عدلاللّه تعالى. وقد خلق أقسام الموجودات: جسمانيها وروحانيها، كاملها وناقصها، وأعطى كل شيء خلقه.. وهو بذلك جَوَّاد. ورتَّبه في موضعه اللائق به.. وهو بذلك عدل. فمن الأجسام العظام في العالم: الأرض، والماء، والهواء، والسماوات، والكواكب، وقد خلقها ورتبها، فوضع الأرض في أسفل السافلين، وجعل الماء فوقها، والهواء فوق الماء، والسماوات فوق الهواء، ولو عكس هذا الترتيب لبطل النظام، وليتك وفيت بمعرفة عجائب نفسك، وتفرغت للتأمل فيها، وفيما يكتنفها من الأجسام، فتكون ممن قال اللّه فيهم: «سَنُرِيهِم آيَاتِنَا في الآفَاقِ وَفي أَنفُسِهِم» (فصلت آية 53). ومن أين لك أن تكون ممن قال اللّه فيهم: «وَكَذلكَ نُرِي إبرَاهِيم مَلَكُوتَ السَّمَواتِ والأرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنينَ» (الأنعام آية 75). وأنَّے تُفتح أبواب السماء لمن استغرقه هم الدنيا واستعبده الحرص والهوى؟! وحظ العبد من العدل لا يخفى، وأول ما عليه من العدل من صفات نفسه، وهو أن يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت إشارة العقل والدين. ومهما جعل العقل خادماً للشهوة والغضب فقد ظلم. هذا جملة عدله في نفسه، وتفصيله مراعاة حدود الشرع كله. وعدله في كل عضو أن يستعمله على الوجه الذي أذن الشرع فيه. وأما عدله في أهله وذريته، ثم في رعيته إن كان من أهل الولاية، فلا يخفى، وحظ العبد ديناً من مشاهدة هذا الوصف ، الإيمان بأن اللّه تعالى عدل، ولا يعترض عليه في تدبيره وحكمه وجميع أفعاله.. وافق مراده أو لم يوافق؛ لأن كل ذلك عدل، وهو كما ينبغي، ولو لم يفعل ما تفعله لحصل منه أمر آخر هو أعظم ضرراً مما حصل.. كما أن المريض لو لم يحتجم لتضرر ضرراً يزيد على ألم الحجامة.

