
الوَهَّاب
الهِبة هي العَطيّة الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت العطايا بهذه الصفة يسمى صاحبها جواداً وهَّاباً، ولن يُتصوَّر الجود والعطاء والهِبة حقيقة إلا من اللّه تعالى، فإنه هو الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج لا لعوض ولا لغرض عاجل ولا آجل، لا يتصور من العبد الجود والهبة، فإنه إن لم يكن الفعل به أولى من الترك لم يقدم عليه فيكون إقدامه لغرض نفسه، ولكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الرُّوح لوجه اللّه تعالى لا للوصول إلى نعيم الجنة أو الحذر من عذاب النار أو لحظ عاجل أو آجل مما يُعَدُّ من الحظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمى وهاباً وجواداً، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة، ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة، وكذلك من يعبد اللّه للجنة، فقد جعلها اللّه تعالى واسطة في طلبه، ولم يجعلها غاية مطلبه، وعلامة الواسطة أنه لو حصلت الغاية دونها لم تطلب الواسطة، كما لو حصلت المقاصد دون الذهب لم يكن الذهب محبوباً ولا مطلوباً، فالمحبوب بالحقيقة الغاية المطلوبة دون الذهب، ولو حصلت الجنة لمن يعبد اللّه لأجلها دون عبادة اللّه تعالى لما عبد اللّه، فمحبوبه ومطلوبه الجنة إذن لا غيره، وأما من لم يكن له محبوب سوى اللّه تعالى ولا مطلوب سوى اللّه، بل حظه الابتهاج بلقاء اللّه والقرب منه والموافقة للملأ الأعلى المقربين من حضرته ، فيقال: إنه يعبد اللّه للّه. لا على معنى أنه غير طالب للحظ، بل على معنى أن اللّه هو حظه، وليس يبغي وراءه حظاً، ومن لم يؤمن بلذة البهجة بلقاء اللّه ومعرفته والمشاهدة له والقرب منه لم يشتق إليه، ومن لم يشتق إليه لم يُتَصَوَّر أن يكون ذلك مقصوده أصلاً، فلذلك لا يكون في عبادته إلا كالأجير السوء لا يعمل إلا بأجرة طمع فيها. وأكثر الخلق لم يذوقوا هذه اللذة ولم يعرفوها ولم يفهموا لذة النظر إلى وجه اللّه، وإنما إيمانهم بذلك من حيث النطق باللسان، فأما بواطنهم فإنها مائلة إلى التلذذ بلقاء الحور العين ومصدقةٌ به فقط.

